أبو جعفر الإسكافي

201

المعيار والموازنة

فلم يبرح علي رضي الله عنه حتى تفرقوا ودخلوا معه وقلبوا أترستهم . فتفهموا معاشر المقصرين ، وتكفروا يا أصحاب الوقف ، واعتبروا يا أولي الأبصار ما يظهر من بيان الله وحجته من تقديم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على جميع العالمين يقتل في الله القاسطين بسيفه ، ويحيي في الله الشاكين بحجته . فهذه علل الخوارج مجموعة عليها مدار كلامهم كله قد أوضح لبسها ، وأزال شبهها ، وكشف حيرتها بما لا مرد له من كتاب الله ( 1 ) وحجته فأي الأمرين عندكم أصوب ؟ وأي المنزلتين أشرف في الدين والرأي ؟ أن يدع الناس في حيرتهم ويترك أصحابه في شبهتهم فيكونوا له حربا ، ويزيدهم بإقدامه شبهة ، ويمضي وحده حتى يقاتل بعصابة معه ، فلا ينكأ في عدوه ( 2 ) ولا يبلغ فيهم الأمنية ، فيكون في ذلك تلفه وتلف من معه وتقوية ( 3 ) لمن خالفه / 63 / ويكون في ذلك جهل للسنة في الموادعة ، وإطفاء لما أحيا من حجة الله فيكفر الجهل ذلك من جهله وافتتن به . أم يوادع القوم في حال القلة ، ويستعمل بأصحابه [ الرفق ] في وقت تفرقهم ، ودخول الشبهة [ عليهم [ ليحيي ضالهم ، ويستنقذ متحيرهم ، ويقوي ضعيفهم ، ويثبت عالمهم ( 4 ) أي الأمرين أولى بالهدى وأبعد من الخطأ ، والله يقول : " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا " [ 32 / المائدة : 5 ]

--> ( 1 ) كلمة : " كتاب " رسم خطها غامض ويحتمل أن تقرأ : " من بينات " . ( 2 ) يقال : " نكأ زيد عدوه وفي عدوه - من باب ذهب - : قتل فيهم وجرح وأثخن ( 3 ) الظاهر أن هذا هو الصواب وفي أصلي : " ويفوته " . ( 4 ) وقد أوضح أمير المؤمنين عليه السلام في احتجاجاته مع الخوارج وغيرهم حكمة تأنيه وتأخيره الحرب مهما يمكنه لطفا بالناس ورأفة بهم . أنظر قوله عليه السلام في المختار : ( 54 ) من نهج البلاغة : " فوالله ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشوا إلى ضوئي وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها " . وانظر أيضا قوله في المختار : ( 120 ) من نهج البلاغة : " فإذا طمعنا في خصلة يلم الله بها شعثنا ونتدانى بها إلى البقية بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها " .